https://ikhwan.online/article/261235
الجمعة ١٣ محرّم ١٤٤٦ هـ - 19 يوليو 2024 م - الساعة 07:03 م
إخوان أونلاين - الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمون
أبناء وبنات

روعة الطفولة في رحاب الحج

روعة الطفولة في رحاب الحج
الجمعة 14 يونيو 2024 05:32 م
د. رشاد لاشين

أطفالنا أغلى ما عندنا، وديننا العظيم يُؤسس لرعايتهم أعظم تأسيس، ويهتم بهم أفضل اهتمام؛ فما من شعيرةٍ من الشعائر ولا عبادةٍ من العبادات ولا محفلٍ من المحافل إلا وتجد اهتمامًا رائعًا بالطفولة ورعايتها.

ونحن تهل علينا نفحات الحج المباركة ويهلُّ علينا عيد الأضحى بخيراتٍ كثيرةٍ تعمُّ المجتمع كله، وإذا نظرنا إلى قدرِ الأطفال وقيمتهم ومكانتهم في داخل هذه الصورة لوجدناها راقيةً وعزيزةً وغاليةً، ويمكننا الاستدلال على ذلك من الآتي:

حب الطفولة والشوق إليها

تبدأ قصة الحج حول حب الطفولة والشوق إليها من قِبل سيدنا إبراهيم الذي ظلَّ سنواتٍ كثيرة يدعو ربه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ (100)﴾ (الصافات)، ثم يُرزق بالولد عندما يبلغ من العمر 86 عامًا ويفرح به ويشكر ربه عليه، وهنا يأتي الاختبار الأول للأب في ابنه أن يذهب به إلى الوادي الخالي من الزرع ويتركه ويذهب إلى فلسطين لمهمة الدعوة إلى الله تعالى.

رعاية الطفولة يُؤسس عليها شعيرة من شعائر الحج

1- السعي بين الصفا والمروة احتفالية رائعة لرعاية الطفولة:

السعي بين الصفا والمروة رمزٌ عظيمٌ لرعاية الطفولة؛ فأمُّنا هاجر عليها السلام بعد أن انتهى طعامها وانقطع لبنُها ورأت ابنَها الحبيب سيدنا إسماعيل يتشحَّط من شدةِ عطشه؛ فزِعت لرعايته وظلَّت تسعى مئات الأمتار بين جبلَي الصفا والمروة بحثًا عن ماء؛ طلبًا لرعاية فلذة كبدها.

- طول المسافة بين الصفا والمروة (375 مترًا) × 7 أشواط = 2625 مترًا أي ما يقرب من ثلاثة كيلو مترات.

- فالسعي بين الصفا والمروة هذه المسافة الطويلة عبر سبعة أشواط من أمٍّ عظيمة تسعى إلى رعاية طفلها خلَّده الله تبارك وتعالى وجعله ركنًا من أركان الحج أحد الأركان الخمسة للإسلام، وأمرَ الحُجاج أن يحاكوا فعلَ هذه الأمِّ العظيمة ويقطعوا هذه المسافات؛ فهو إشعارٌ بأهمية الأطفال، وهو كذلك تربيةٌ عمليةٌ وتدريبٌ رائعٌ على أهمية رعاية الطفولة لكلِّ من يريد أن يستكمل أركان الإسلام.

2- ماء زمزم تكريمٌ لأثرٍ من آثار الطفل الناشئ في طاعة الله:

ماء زمزم الذي تفجَّر من تحت قدمَي سيدنا إسماعيل وهو رضيع وبقي نفعًا للبشرية حتى تقوم الساعة، ومن سنن الحج والعمرة أن يشربَه الحجيجُ ويتبرَّكوا به، فهو تكريمٌ لأثرٍ من آثار الطفل الناشئ في طاعة الله تبارك وتعالى، ويعلمنا جميعًا أنَّ البركةَ في النشأة في كنفِ الأسرة المطيعة لله تبارك وتعالى.

3- إقامة الحجيج بمنى تكريم للمكان الذي أطاع فيه الابن أباه:

يعود الأب (سيدنا إبراهيم) من مهمته بعد 15 عامًا مشتاقًا إلى ابنه الحبيب، فيُؤمر بذبحه ويستجيب الأب ويُطيع الابن في نحو رائع كما نعلم جميعًا.. ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية 102).

ويؤسس في هذا المكان شعيرة من شعائر الحج، ويُقيم الحجيج في هذا المكان من يوم العيد إلى ثاني أو ثالث أيام التشريق ليحاكوا فعل الأسرة العظيمة التي استجابت لأمر الله تعالى ورجمت الشيطان الرجيم الذي كان يُحرِّض الابن على عصيان أبيه ويحرض الزوجة على عصيان زوجها وليتعلموا ويعلموا أبناءهم طاعةَ الابن لأبيه واستجابة الأب لأمرِ الله تعالى وانسجام الأم مع تعاليم السماء.

4- الأضحية احتفالية سنوية لفداء الأبناء:

الأضحية رمزيةٌ عظيمةٌ لقيمة الأبناء وقدرهم في نفوس الأسرة التي تُوفِّر المال وتشتري الأضحية فداءً للأبناء كل عام، والذين كانوا، طبقًا لما أُمر به سيدنا إبراهيم في أول الأمر، سيُذبح واحدٌ منهم كل عام، ولكن جاء الفداء من السماء بعد الطاعة والتسليم ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾ (الصافات)، ما أجمل أن نقول لأبنائنا إننا نُحبكم ونحرص كل الحرص عليكم ونفديكم كل عام بهذه الأضحية التي نشتريها من أجلكم؛ امتثالاً لأمر الله تعالى!، فيزيد حبُّهم لنا ولشعائر الدين العظيمة، ويحسُّون بقيمتهم وقدرهم فيشاركوننا في حمل الرسالة وأداء الأمانة.

5- إكرام الإسلام للصبي بأجر الحج:

لم يحرم الإسلام الصبيَّ من أجر الحج؛ فحينما يصاحب الطفل والديه يُكتب له أجر حجة دون الفريضة بالطبع، ويُضاء سجل حسناته بأجر الحج الذي يُكتب له ولوالديه، والطفل غير المميز (أي ما قبل سبع السنوات) ينوي عنه وليه الإحرام بعمرة أو حج، ويطوف ويسعى به ويُحضره معه بقية المناسك، ويرمي عنه.

أما الطفل المميِّز الذي بلغ سبع سنوات إذا أراد وليه أن يحج به فإنه يأمره أن يلبس ملابس الإحرام، ويفعل بنفسه جميع مناسك الحج، ويرمي عنه إن لم يستطع الرمي بنفسه، ويأمره أن يجتنب المحظورات في الإحرام.

لذا وجب علينا- ونحن في الأيام المباركة التي يؤدي فيها الحجيج مناسك الحج، وكذلك ونحن نعيش غمرة الفرحة بالعيد- أن نوضح هذه المعاني لأبنائنا ونُبيِّن لهم قدرَهم الكبير في ديننا الحنيف وشريعتنا الغرَّاء ومكانتهم العزيزة في نفوسنا، فتزداد محبتُهم لدينهم وتمسكهم بشريعتهم وارتباطهم بوالديهم وبرّهم لهم، وتنبني علاقةٌ قويةٌ ومتينةٌ في ظلال مبادئنا الرائعة العظيمة.